الشنقيطي

16

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المسجد ، وما أخبر به صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأعلم حجرا في مكة ما مررت عليه إلا وسلم علي » « 1 » ، وما ثبت بفرد يثبت لبقية أفراد جنسه ، كما هو معلوم في قاعدة الواحد بالجنس والواحد بالنوع . ومن هذا القبيل في أعظم من ذلك ما رواه البخاري في كتاب المناقب عن أنس رضي اللّه عنه أن النّبي صلى اللّه عليه وسلم صعد أحدا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال : « أثبت أحد فإن عليك نبيا وصديقا وشهيدين » « 2 » . وفي موطأ مالك : لما رجع صلى اللّه عليه وسلم من سفر طلع عليهم أحد فقال « هذا جبل يحبنا ونحبه » « 3 » . فهذا جبل من كبار جبال المدينة يرتجف لصعود النّبي صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، فيخاطبه صلى اللّه عليه وسلم خطاب العاقل المدرك : « أثبت أحد فإن عليك نبيا وصديقا وشهيدين » ، فيعرف النّبي ويعرف الصديق والشهيد فيثبت ، فبأي قانون كان ارتجافه ؟ وبأي معقول كان خطابه ؟ وبأي معنى كان ثبوته ؟ ثم ها هو يثبت له صلى اللّه عليه وسلم المحبة المتبادلة بقوله : يحبنا ونحبه . وإذا ناقشنا أقوال القائلين بتخصيص هذا العموم من إثبات التسبيح للجمادات ونحوها ، لما وجدنا لهم وجهة نظر إلا أن الحس لم يشهد شيئا من ذلك ، وقد أوردنا الأمثلة على إثبات ذلك لسائر الأجناس ، وتقدم تنبيه الشيخ على تأكيد ذلك بقوله تعالى : وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) [ الأنبياء : 79 ] ردا على استبعاده . ومن الأدلة القرآنية في هذا المقام ، ما جاء في سياق قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] ، جاء بعدها قوله تعالى : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) [ الإسراء : 45 ] وهذا نص يكذب المستدلين بالحس . لأن اللّه تعالى أخبر بأنه جعل بين الرسول صلى اللّه عليه وسلم في تلك الحالة ، وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا يحجبه عنهم ، وهذا الحجاب مستور عن أعينهم فلا يرون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه محجوب عنهم ، ولا يرون الحجاب لأنه مستور ، وهذا هو الصحيح في هذه الآية .

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) أخرجه عن هشام بن عروة عن أبيه مالك في الجامع حديث 20 .